ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
4
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
يكن إلا تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه ؛ فإن ذلك دليل على أنّ السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع ، وهذا قدح في الكلام ، لا وصف له ؛ لأنه لو كان حسنا لما مل ، ولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطوّل ، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك ؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة ، في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ ، أو أقل من ذلك ، ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه ، لا قصدا لاستعمال الأحسن ، وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز ولم ينتقل عنه ، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه ، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه ؛ قلنا : هذا ليس بحسن ؛ إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب ، وهذا قول فيه ما فيه ، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة . والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ، أو من الغيبة إلى الخطاب ؛ لا يكون إلا لفائدة اقتضته ، وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ، غير أنها لا تحدّ بحدّ ، ولا تضبط بضابط ، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها ؛ فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب ، ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على ووتيرة واحدة ، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود ، وذلك المعنى يتشعّب شعبا كثيرة لا تنحصر ، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه . وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها . فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة : الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم هذا رجوع من الغيبة إلى